في تصنيف مناهج التعليم بواسطة (825ألف نقاط)

خطبة الجمعة مكتوبة ومشكولة فضل صيام عاشوراء 

خطبة شهر الله المحرم و فضل صيام عاشوراء

 الخطبة الأولى

الْحَمْدُ لِلَّهِ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ حَمْدًا يَمْلَأُ أَرْضَهُ وَسَمَاءهُ، وَأَشْكُرُهُ عَلَى سَوَابِغِ نِعَمِهِ وَآلَائِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، بَعَثَهُ اللَّهُ رَحْمَـةً لِلْعَالَمِـينَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الْمَآلِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا النَّاسُ: اتَّقُوا رَبَّكُمْ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَاعْمُرُوا أَوْقَاتَكُمْ بِمَا يُرْضِيهِ، وَاقْنَعُوا مِنْ دُنْيَاكُمْ بِالْقَلِيلِ، وَاسْتَعِدُّوا لِيَوْمِ الرَّحِيلِ: ﴿ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ﴾ [غَافِر: 39].

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: هَا نَحْنُ قَدْ وَدَّعْنَا عَامًا هِجْرِيًّا كَامِلًا مَضَى بِمَا أَوْدَعْنَاهُ فِيهِ، فَقَدْ طُوِيَتْ أَيَّامُهُ، وَأُحْصِيَتْ أَعْمَالُهُ مِنْ حَسَنٍ وَسَيِّئٍ، وَلَا نَزَالُ نَطْوِي الْأَيَّامَ حَتَّى يَقِفَ عُمُرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا حَيْثُ كُتِبَ لَهُ مِنَ السِّنِينَ وَالْأَيَّامِ، وَصَدَقَ اللَّهُ: ﴿ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ [الْأَعْرَاف: 34]، وَلَا بُدَّ لِلْعَاقِلِ أَنَّ يَتَأَمَّلَ فِي هَذَا الْأَمْرِ، وَيَعْلَمَ أَنَّهُ مَهْمَا طَالَ الْعُمْرُ، وَتَتَابَعَتِ السُّنُونَ، فَلَا بُدَّ مِنْ سَاعَةِ الرَّحِيلِ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ، وَالْقَدُّومِ عَلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَلَابُدَّ أَنْ نَتَفَكَّرَ فِي مَنْ كَانَ مَعَنَا مِمَّنْ سَبَقَنَا إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ، فَكَمْ أَغْمَضْنَا مِنْ أَحْبَابِنَا جَفْنًا، وَكَمْ عَزِيزٍ دَفَنَّاهُ وَانْصَرَفْنَا، وَكَمْ قَرِيبٍ أَضْجَعْنَاهُ فِي اللَّحْدِ وَمَا وَقَفْنَا، فَهَلْ رَحِمَ الْمَوْتُ مِنَّا مَرِيضًا لِضَعْفِ حَالِهِ! وَهَلْ تَرَكَ كَاسِبًا لِأَجْلِ أَطْفَالِهِ؟! وَهَلْ أَمْهَلَ ذَا عِيَالٍ مِنْ أَجْلِ عِيَالِهِ؟!

 

أَيْنَ مَنْ كَانُوا مَعَنَا فِي الْأَعْوَامِ الْمَاضِيَةِ؟! أَتَاهُمْ هَادِمُ اللَّذَّاتِ وَمُفَرِّقُ الْجَمَاعَاتِ فَأَخْلَى مِنْهُمُ الْمَجَالِسَ وَالْمَسَاجِدَ، تَرَاهُمْ فِي بُطُونِ الْأَلْحَادِ صَرْعَى لَا يَجِدُونَ لِمَا هُمْ فِيهِ دَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا، يَنْتَظِرُونَ يَوْمًا الْأُمَمُ فِيهِ إِلَى رَبِّهَا تُدْعَى.. وَالْخَلَائِقُ تُحْشَرُ إِلَى الْمَوْقِفِ وَتَسْعَى، فَأَعِدُّوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ لِذَلِكَ الْيَوْمِ عُدَّتَهُ، وَاسْتَعِدُّوا لِيَوْمِ الرَّحِيلِ.

 

عِبَادَ اللَّهِ: لَقَدْ أَكْرَمَنَا اللَّهُ وَأَمَدَّ اللَّهُ فِي أَعْمَارِنَا حَتَّى أَظَلَّنَا هَذَا الشَّهْرُ الْعَظِيمُ، شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ، أَوَّلُ شُهُورِ السَّنَةِ الْهِجْرِيَّةِ، وَأَحَدُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ عَنْهَا: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾ [التَّوْبَة: 36].

 

وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: «السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ».

 

وَلَقَدْ وَرَدَ الْفَضْلُ فِي الْإِكْثَارِ مِنْ صِيَامِ النَّافِلَةِ فِي شَهْرِ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

 

فَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ أَفْضَلُ الشُّهُورِ لِصَوْمِ التَّطَوُّعِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: "إِنَّمَا كَانَ صَوْمُ الْمُحَرَّمِ أَفْضَلَ الصِّيَامِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَوَّلُ السَّنَةِ الْمُسْتَأْنَفَةِ، فَكَانَ اسْتِفْتَاحُهَا بِالصَّوْمِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ".

 

وَانْطِلَاقًا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يَقُومَ بِهَا الْمُسْلِمُ فِي شَهْرِ مُحَرَّمٍ هُوَ الصِّيَامُ؛ فَيَنْبَغِي لِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ صِيَامِ التَّطَوُّعِ فِيهِ، وَلْنَتَذَكَّرْ أَنَّ الصَّوْمَ عَامَّةً فِي كُلِّ وَقْتٍ لَهُ فَضْلُهُ وَثَوَابُهُ الْعَظِيمُ عِنْدَ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا».

 

وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: «مُرْنِي بِأَمْرٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهِ، قَالَ: عَلَيْكَ بِالصِّيَامِ؛ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ».

 

 

نَفَعَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ بِهَدْيِ كِتَابِهِ، وَاتِّبَاعِ سُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، لَا رَبَّ غَيْرُهُ، وَلَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ سِوَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَخَلِيلُهُ وَمُصْطَفَاهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

 

عِبَادَ اللَّهِ: وَمِنْ أَفْضَلِ الْأَيَّامِ فِي شَهْرِ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَهُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ، وَيُوَافِقُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ الْقَادِمِ، وَهُوَ يَوْمٌ عَظِيمٌ، أَوْصَى النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِصَوْمِهِ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ»، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا هَذَا الْيَوْمَ: يَوْمَ عَاشُورَاءَ».

 

وَهَذَا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا أَنْ أَعْطَانَا بِصِيَامِ يَوْمٍ وَاحِدٍ تَكْفِيرَ ذُنُوبِ سَنَةٍ كَامِلَةٍ، وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِمُخَالَفَةِ الْيَهُودِ فِي هَذَا الْيَوْمِ، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: « قَدِمَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ. هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى. قَالَ: فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ. فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

 

وَإِمْعَانًا فِي مُخَالَفَتِهِمْ اسْتَحَبَّ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ نَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ، فَيُصَامُ الْيَوْمُ التَّاسِعُ مَعَ الْعَاشِرِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

 

وَمَنْ عَجَزَ عَنْ صَوْمِ التَّاسِعِ اسْتُحِبَّ لَهُ صِيَامُ يَوْمٍ بَعْدَ عَاشُورَاءَ؛ مُخَالَفَةً لِأَهْلِ الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ.

وَعَلَى هَذَا فَصِيَامُ عَاشُورَاءَ عَلَى مَرَاتِبَ ثَلَاثٍ، ذَكَرَهَا ابْنُ الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ:

أَوَّلًا: صَوْمُ التَّاسِعِ وَالْعَاشِرِ وَالْحَادِي عَشَرَ، وَهَذَا أَكْمَلُهَا.

ثَانِيًا: صَوْمُ التَّاسِعِ وَالْعَاشِرِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ.

ثَالِثًا: صَوْمُ الْعَاشِرِ وَحْدَهُ. وَلَا يُكْرَهُ عَلَى الصَّحِيحِ إِفْرَادُ الْيَوْمِ الْعَاشِرِ بِالصَّوْمِ؛ كَمَا قَالَهُ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.

 

فَحَرِيٌّ بِالْمُسْلِمِ أَنْ يَحْرِصَ هُوَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ عَلَى صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ؛ لِمَا فِي صَوْمِهِ مِنْ عَظِيمِ الْأَجْرِ، وَامْتِثَالًا لِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

 

جَعَلَ اللَّهُ هَذَا الْعَامَ عَامَ خَيْرٍ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَطَالَ أَعْمَارَنَا عَلَى طَاعَتِهِ، وَمَدَّ آجَالَنَا فِي حُسْنِ عِبَادَتِهِ.

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ الْخَلْقِ، وَسَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، كَمَا أَمَرَكُمُ بِذَلِكَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ عَلِيمٍ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الْأَحْزَابِ: 56].

1 إجابة واحدة

0 معجب 0 شخص غير معجب
بواسطة (825ألف نقاط)
 
أفضل إجابة
خطبة مختصرة للجمعة القادمة إن شاء الله
بتاريخ 4 / 7 / 2025
بعنوان
(( شهر الله المحرم وصيام يوم عاشوراء))
خطبةالاولى
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، صَلَّى اَللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ ، أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ ، وخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ r وشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُها ، وكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ ، وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ، وكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ، مَعَاشِرَ ا لمُؤمِنينَ عِبادَ اللهِ ، إِنَّ مِن رَحمَةِ اللهِ تَعَالَى بِعِبَادِهِ ، أَنْ جَعَلَ لَهُم مِنَ الأَزمَانِ مَا تَتَضاعَفُ فِيهِ الْحَسَناتُ ، وَأَرْشَدَ أَهْلَ الإِيَمانِ إِلىَ اسْتِغْلاَلِهِ بِفِعْلِ الْخَيَراتِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ ، وَنَهَانَا أَنْ نَظلِمَ فِيهَا أَنفُسَنَا بِالْخَطايَا وَالسَّيِّئَاتِ ، فَالسَّعِيدُ مَنِ اغتَنَمَهَا فَبَادَرَ إِلى الخَيْرِ وَالحَسَنَاتِ ، وَالْخَاسِرُ مَن فَرَّطَ فِيهَا وَسَعَى إِلىَ الشَّرِّ وَالمُنْكَرَاتِ ، وَمِنْ هَذِهِ الأَزْمَانِ المُبَارَكَةِ ، الشُّهُورُ المُحَرَّمَةُ ، الَّتِي ذَكَرَهَا اللهُ تَعَالىَ فيِ كِتَابِِهِ، فَقَالَ ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ وَهَذِهِ الشُّهورُ ثَلاثَةٌ مُتَتالِيَةٌ ، وَهِيَ ذُو القَعدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَمُحَرَّمٌ ، وَواحِدٌ مُستَقِلٌّ وَهُوَ شَهْرُ رَجَبٍ ، قالَ قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الظُّلْمَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ ، أَعْظَمُ خَطِيئَةً وَوِزْرًا مِنَ الظُّلْمِ فِيمَا سِوَاهُ﴾ وَهَا نَحْنُ يَا عِبَادَ اللهِ ، فيِ بِدَايَةِ شَهْرٍ مِنْ هَذِهِ الشُّهُورِ المُبارَكَةِ ، أَلا وَهْوَ شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ ، وَقَدْ سَمَّى النَّبيُّ rالمُحَرَّمَ شَهرُ اللهِ ، وَأَضَافَهُ إِلى اللهِ ، مِمَّا يَدُلُّ عَلى شَرَفِهِ وَفَضْلِهِ ، وَمِمَّا يُشْرَعُ الإِكثَارُ مِنْهُ مِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فِي هَذَا الشَّهْرِ كَثرَةُ الصِّيَامِ ، فقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ r أَنَّ صِيَامَ شَهْرِ اللهِ المُحَرَّمِ ، أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ ، رَوَى مُسْلِمُ فِي صَحِيحِهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r ﴿أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ ، شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ ، صَلَاةُ اللَّيْلِ﴾ فَإِن ْلَمْ تَسْتَطِيعَ يَا عَبْدَ اللهِ الصَيَامُ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ ، فَلاَ يَفُوتُكَ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ ، وَهُوَ الْيَوْمُ العَاشِرُ مِنْهُ ، فإنَّ فَضْلَهُ عَظِيمٌ ، وَثَوابَهُ جَزِيلٌ ، وَقَدْ صَامَهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَلاَمُ وَقَوْمَهُ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَصَامَهُ نَبِيُّـنَا r وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ ، فَفِي الصحِيحَيْنِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ r ﴿قَدِمَ الْمَدِينَةَ ، فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ r مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟ فَقَالُوا هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ ، أَنْجَى اللهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ ، وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا ، فَنَحْنُ نَصُومُهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ r فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ ، فَصَامَهُ رَسُولُ اللهِ r وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ﴾ وَقَدْ بَيَّنَ r أَجْرَ صِيَامِهِ ، وَمَا يُكَفِّرُهُ مِنَ الذُّنُوبِ والخطايا ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللهِ r ﴿صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ﴾ ، وَسُئِلَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ، عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَقَالَ ﴿مَا عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ r صَامَ يَوْمًا يَطْلُبُ فَضْلَهُ عَلَى الْأَيَّامِ ، إِلَّا هَذَا الْيَوْمَ ، يَومَ عَاشُورَاءَ ، وَلَا شَهْرًا إِلَّا هَذَا الشَّهْرَ ، يَعْنِي رَمَضَانَ﴾ وَقَدْ عَزَمَ النَّبِيُّ r فِي آخِرِ حَيَاته أَنْ لَا يَصُومَهُ مُفْرَدًا ، مُخَالَفَةً لِأَهْلِ الْكِتَابِ ، وَبُعْدًا عَنِ التَّشَبُهِ بِهِمْ ، فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ في صحيحه ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ ، حِينَ صَامَ رَسُولُ اللهِ r يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ r ﴿فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللهُ، صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ﴾ قَالَ فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ ، حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ r وَفِي رِوَايَة﴿لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ﴾ وَعَلَى هَذَا ، يُسَنُّ أَنْ يُصَامَ التَّاسِعُ مَعَ العَاشِرِ ، قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ﴿خَالِفُواْ الْيَهُودَ صُومُواْ التَّاسِعُ الْعَاشِرِ﴾ وَمَنْ أَضَافَ إِلَيْهِمَا الْحَادِيَ عَشَرَ فَهْوَ أَكْمَلُ ، كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِمُ رَحِمَهُ اللهُ ، وَيَجُوزُ صِيَامُ يَوْمِ عَاشَورَاءَ وَإِنْ وَافَقَ يَوْم َالسَبْتِ لِمَا ذُكِرَ فِيهِ مِنَ الأحَادِيثَ الصَحِيحِةِ ، وَمُوَافَقَتِهِ لِيَوْمٍ مَشْرُوعٌ ، فَاجْتَهِدُوا يَا عِبَادَ اللهِ فِي طَاعَةِ رَبِّكُمْ ، وَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِمَا شَرَعَهُ لَكُمْ ، وَاسْتَغِلُّوا مَوَاسِمَ الْقُرُبَاتِ ، تَحُوزُوا الأَجْرَ وَالثَّوَابِ وَالْبَرَكَاتِ ، أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم .
الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، أَمَّا بَعْدُ ، فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ ، فَمَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ ، وَنَصَرَهُ وَكَفَاهُ ، مَعَاشِرَ ا لمُؤمِنينَ عِبادَ اللهِ ، قَدْ عَرَفْنَا مِن خِلالِ مَا سَبَقَ ، مَا يُشْرَعُ لِلمُسلِمينَ فِعلُهُ في يَومِ عاشُوراء ، وَأَنَّ السُّنَّةَ فيِ هَذَا الْيَوْمِ صِيامُهُ شُكرًا للهِ ، وتَحرِّيًا لِعَظيمِ مَوعودِهِ لِلصّائِمينَ ، وَأَعْظَمُ النّاسِ أَجرًا في الصِّيامِ ، أَكثَرُهُم فيهِ ذِكرًا للهِ عزَّ وجلَّ ، هذِهِ هيَ السُّنَّةُ في يَومِ عاشُوراء، أَمَّا مَا يَفعَلُهُ بَعْضُ النّاسِ في يَوْمِ عَاشُوراءَ ، مِنْ زِيَارَةٍ لِلْقُبورِ ، وَطَبخٍ بَعْضِ أَنْوَاعِ الطَّعَامِ وَالْحُبُوبِ ، وَالْكُحْلِ وَالاْغْتِسَالِ وَالْحِنّاءِ ، وَغَيرِْ ذَلكَ مِنَ الأَعْمَالِ الّتي لَمْ يَفعَلَهَا رَسُولُ اللهِ r وَلاَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم ، وَلاَ الْقُرُونُ المُفَضَّلَةُ ، وَقَدْ قَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ ، مَا لَمْ يَكُنْ دِينًا زَمَنَ مُحمّدٍ r فَلَنْ يَكُونَ الْيَوْمَ دِينًا ، وَلنْ يَكُونَ دِينًا إِلىَ أَنْ تَقُومَ السّاعَةُ ، فَدِينُ اللهِ دِينٌ كامِلٌ ، رَضِيَهُ اللهُ لِعِبَادِهِ ، وَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ r لِلأُمَّةِ ، وَسَارَ عَلَيهِ الصَّحابَةُ الكِرامُ ، فَالْوَاجِبُ الاعْتِصَامُ بِدِينِ اللهِ ، وَالتَّمَسُّكُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ r وَتَرْكُ الأُمُورِ المُحْدَثاتِ وَالبِدَعِ المُنْكَرَاتِ ، اللهُمَ أَصْلَحَ لَنَا دِينَنَا الذَيِ هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا ، وَأَصْلَحَ لَنَا دُنْيَانَا التِي فِيهَا مَعَاشُنَا ، وَأَصْلَحَ لَنَا آخِرَتَنَا التِي فِيهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فيِ كُلِ خَيْرٍ، وَالموْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِ شَرٍ ، اللهُمَ أَحْيِنَا مُسْلَمِينَ ، وَتَوَفَنَا مَؤْمِنينَ ، غَيْرَ خَزَايَا وَلاَ مَفْتُونِينَ ، اللهُمَ زَيَنَا بِزِينَةِ الإيمَانِ ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ ، رَبَّنَا إِنَنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا ، وَإِنْ لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ وَصَلَّى اَللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ وَأَنْعَمَ ، عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدْ ، وَعَلَى آلَ وَصَحْبُهُ أَجْمَعِينَ .
مرحبًا بك إلى المعلم الناجح، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...